أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
507
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لأنه كان ضعيفا في النحو ، وعدوا له غلطات ولعل ذلك منها . الرابع : أن يكون في محل رفع خبر ابتداء مضمر تقديره : والأمر أن اللّه ربي وربكم ذكر ذلك عن الكسائي ، ولا وجه إلى هذا الإضمار . الخامس : أن يكون في محل نصب نسقا على « الْكِتابَ » في قوله : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ » على أن يكون المخاطب بذلك معاصري عيسى - عليه السّلام - والقائل لهم ذلك عيسى . وعن وهب : عهد إليهم عيسى أن اللّه ربي وربكم ، قال هذا القائل . ومن كسر الهمزة يكون قد عطف « إِنَّ اللَّهَ » على قوله : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ » فهو داخل في حيّز القول ، وتكون الجملة من قوله : « ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ » إلى آخره جمل اعتراض . وهذا من البعد بمكان . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 37 إلى 41 ] فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) قوله : مِنْ مَشْهَدِ . مشهد : مفعل أمرا من الشهادة ، وإما من الشهود ، وهو الحضور . ومشهد - هنا - يجوز أن يراد به الزمان أو المكان أو المصدر ، فإذا كان من الشهادة والمراد به الزمان ، فتقديره : من وقت الشهادة ، وإن أريد به المكان فتقديره : من مكان شهادة يوم ، وإن أريد به المصدر ، فتقديره : من شهادة ذلك اليوم ، وأن تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم والملائكة والأنبياء ، وإذا كان من الشهود وهو الحضور ، فتقديره : من شهود الحساب والجزاء يوم القيامة ، أو من مكان الشهود فيه ، وهو الموقف أو من وقت الشهود ، وإذا كان مصدرا بحالتيه المتقدمتين فتكون إضافته إلى الظرف من باب الاتساع ، كقوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، ويجوز أن يكون المصدر مضافا لفاعله ، على أن يجعل اليوم شاهدا عليهم إمّا حقيقة أو مجازا . قوله : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ . هذا لفظ أمر ، ومعناه التعجب ، وأصح الأعاريب فيه كما تقرّر في علم النحو : أنّ فاعله هو المجرور بالباء ، والباء زائدة ، وزيادتها لازمة اصلاحا للفظ ، لأن « أفعل » أمرا لا يكون فاعله إلّا ضميرا مستترا ، ولا يجوز حذف هذه الباء إلّا مع « أنّ » و « أن » كقوله : 3269 - تردّد فيها ضوؤها وشعاعها * فأحسن وأزين لآمرىء أن تسربلا « 1 » أي : بأن تسربل . فالمجرور مرفوع المحل ، ولا ضمير في أفعل ، ولنا قول ثان : أنّ الفاعل مضمر ، والمراد به المتكلم ، كأن المتكلم يأمر نفسه بذلك ، والمجرور بعده في محل نصب . ويعزى هذا للزجاج ، ولنا قول ثالث : أنّ الفاعل عند الجمهور بالفضلة لفظا جاز حذفه للدلالة عليه كهذه الآية ، فإنّ تقديره : وأبصر بهم . وفيه أبحاث
--> ( 1 ) البيت لأوس بن حجر انظر ديوانه ( 84 ) ، المقرب ( 1 / 77 ) ، الهمع ( 2 / 90 ) ، الدرر ( 2 / 120 ) ، التهذيب واللسان « عزل » .